الشيخ محمد رشيد رضا
207
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بعض الناس انه الاجماع الذي اصطلح عليه أهل فن الأصول الذي حدث بعدهم ولهذا ظن القاضي ان كلام الإمام أحمد اختلف في الاعتداد بالاجماع تارة وانكاره تارة أخرى وليس كذلك الاجماع في اللغة جمع الامر وإحكامه والعزم عليه يقال اجمعوا الامر والرأي واجمعوا عليه إذا أحكموه وضموا ما انتشر وتفرق منه وعزموا عليه عزما لا تردد فيه ولا يكون ذلك في غير الضروريات الا بعد الروية والتدقيق والمرادة في الشورى قال تعالى حكاية عن نوح عليه السّلام ( 10 : 71 فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) وذلك أنه ليس بعد الاجماع الا الإمضاء والتنفيذ . وقال في أخوة يوسف ( 12 : 15 فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ) ثم قال فيهم ( 12 : 102 وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) وقال حكاية لقول فرعون للسحرة ( 20 : 64 فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ) والاجماع للأمر يكون من الواحد ومن الجمع . قال في لسان العرب : وفي الحديث « من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له » الاجماع إحكام النية والعزيمة ، أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنى ، ومنه حديث كعب بن مالك « أجمعت صدقه » وفي حديث صلاة المسافر « ما لم أجمع مكثا » أي ما لم أعزم على الإقامة ، وأجمع أمره جعله جميعا بعد ما كان متفرقا ، قال وتفرقه انه جعل يديره فيقول مرة افعل كذا ومرة افعل كذا فلما عزم على أمر محكم أجمعه أي جعله جميعا . قال وكذلك يقال أجمعت النهب ، والنهب إبل القوم أغار عليها اللصوص وكانت متفرقة في مراعيها فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها فإذا اجتمعت قيل أجمعوها . . . والاجماع ان تجمع الشيء المتفرق جميعا فإذا جعلته جميعا بقي جميعا ولم يكد يتفرق كالرأي المعزوم عليه الممضي ، وأجمع المطر الأرض إذا سال رغابها وجهادها « 1 » كلها ، وفلاة مجمعة ومجمعة ( بتشديد الميم ) يجتمع فيها القوم ولا يتفرقون
--> ( 1 ) الرغاب بالفتح الأرض اللينة ، والتي لا تسيل الا من مطر كثير ، والجهاد بالفتح أيضا الأرض المستوية أو الغليظة أو الجدبة